محمد بن علي الشوكاني

217

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

118 - جقمق الظاهر أبو سعيد الجركسي « 1 » جلبه إلى مصر الخواجا وهو صغير ثم اشتراه منه العلاء بن الأتابك ثم أعتقه وكلّمه الظاهر في أن يعطيه إياه فسلّمه إليه من غير أن يعلمه بعتقه ، فدفعه الظاهر لأخيه إينال ، ثم صار في الدولة الناصرية أمير عشرة ثم صار في أيام المؤيّد أمير طبلخاناه ، ثم جعله خازن دار ، ثم صار بعد المؤيد أحد المقدّمين ، ثم استقر في الحجوبية الكبرى أيام الأشرف برسباي ، ثم نقله في سنة ( 826 ) إلى الأتابكية واستمرّ فيها إلى أن مات الأشرف بعد أن أوصاه على ولده المستقرّ بعده في السلطنة الملقب بالعزيز ، فصارت أمور السلطنة كلّها معقودة بصاحب الترجمة ، والعزيز إنما هو معه صورة ثم خلعه بعد أيام يسيرة وتسلطن في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول سنة ( 842 ) ثم اتفق في أوائل سلطنته بعض الكدر إلى أن صفا له الوقت وقد كان أخبره شخص في سنة ( 804 ) أنه سيكون صاحب الترجمة سلطانا وهو في ذلك الوقت غير منظور بذاك بل مظهر للوله والتغفيل عن أحوال الناس وتعاطي الأسباب المقلّلة للهيبة . وكذا بشّر به قديما جماعة من الصالحين واستمر في السلطنة وثبت قدمه . وكان ملكا عادلا كثير الصلوات والصوم والعبادة ، عفيفا عن المنكرات والقاذورات لا يضبط عنه في ذلك زلة ولا تحفظ له هفوة ، متقشّفا بحيث لم يمش على سنن الملوك في كثير من ملبسه وهيئته وجلوسه وحركاته وأفعاله متواضعا ، [ 86 ] يقوم للفقهاء والصالحين إذا دخلوا عليه ويبالغ في تقريبهم منه ولا يرتفع في المجلس بحضرتهم ، وله إلمام بالعلم واستحضار لبعض المسائل لكثرة تردّد العلماء إليه في حال إمرته ورغبته في الاستفادة منهم ، وله كرم زائد بحيث ينسب إلى التبذير فإنه قد يعطي بعض أهل العلم ألف دينار فصاعدا ، وله عناية في إزالة كثير من المنكرات وإن كانت من شعار السلطنة ، وكان كثير الإحسان إلى الأيتام بحيث كان يرسل من يحضرهم إلى

--> ( 1 ) الأعلام ( 2 / 132 ) . الضوء اللامع ( 3 / 71 - 74 رقم 287 ) . شذرات الذهب ( 7 / 291 ) .